Featured Video

‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات حوارات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، أكتوبر 26، 2011

سجادة المطبخ

                                      سجادة المطبخ
حصل زوجي على بعثة، فطربت لهذا الخبر، فالأمر لا يعدو بالنسبة لي سوى إجازة براتب، وحين حططت رحالي هناك،أدركت صعوبة الأمر ، فلا عاملة تساعدني، وطفلاي الصغيران لا ينفكان عني لحظة ،وزوج يغيب اليوم كله ليأتي مرهقا يريد بيتا نظيفا وهادئا ووجبة دسمة، ولربما استضاف الزملاء العزاب أو أحد المغتربين محاولا تقليد حاتم الطائي، ونسي أن كل ما بي لا يتطابق مع زوجة حاتم الطائي.

فقلبت حياة زوجي جحيما ونال هذا الجحيم صغاري، تأفف وتذمر واعتراض.
سكنت بقربي جارة ، فاغتنمتها فرصة كي أقارن حالها بحالي أمام زوجي،فرأيت عجبا، امرأة تقية نقية ، طالبة علم ، وداعية، أولادها أكثر من أولادي، وذات نشاط عجيب، تقيم الدروس للنساء وتدرس الدراسات العليا، بل قام أحد المشايخ المفتين بإعطائها إجازة إفتاء، كما كانت حسنة التبعل لزوجها وليست كحالي.

دعتنا لمنزلها ، فلم تكن كحال معظم نسائنا ممن يرغبن بزيارة الأخريات، ولا يوددن بدعوة أحد لمنازلهن.
وكنت في حماس شديد لرؤية منزلها، لأروي ظمأ فضولي برؤية مستوى نظافة منزلها ، فرأيت ما فاجأني ،فرغم كل مشاغلها إلا إن البيت كان شديد النظافة والترتيب.

وأكثر ما لفت انتباهي هي سجادة مطبخها فلقد كانت بيضاء ناصعة البياض، لون لا أجرؤ أن أضعه في غرفة نومي يوم كان عندي عاملة في بلدي.

فأسررت في نفسي أمرا ، سأتحدى نفسي وسأضع سجادة مثلها في مطبخي.
كانت بيضاء في بادئ الأمر ثم تحولت إلى اللون البيج ثم الرمادي ثم تداخلت كل ألوانها حتى أصبح لا لون لها.

وبسبب هذه السجادة قمت بتعنيف صغاري مرارا وتكرارا ،و توقفت عن تعنيفهم يوم توقفت ألوان السجادة.
فأسررت لنفسي: إنك لست إلا مقلدة أو مجتهدة ولكل مجتهد نصيب، لعل الله رزق جارتي نظافة وترتيبا ليعينها ويعين زوجها وأولادها فتبذل للآخرين.

ولعل الله اطلع على حالي فوجدني لا هم لي إلا نفسي فشغلني عنها.
ومـا مـن كـاتب إلا ويفنـى . . . ويبقى الله ما كتبـت يداه
يكتــب ويخــط بيمنــاه . . . مـا سيجـده في أُخـراه


الاثنين، أكتوبر 24، 2011

وثائق:حوار الشيخ ابن عثيمين مع الجماعة المقاتلة في الجزائر( 1420 هـ )

وثائق:حوار الشيخ ابن عثيمين مع الجماعة المقاتلة في الجزائر( 1420 هـ )

تعليق السكينة : ( أكابر علماء العصر وقفوا ( بوضوح ) وصدق أمام الفئة الضالة والمتعاطفين معهم وحذروا من الغلو في التكفير ومن ممارسات الجماعات المنحرفة ، وحاوروهم وناقشوا شبهاتهم ووضحوا لهم ولغيرهم المنهاج الشرعي الصحيح ، والسكينة تستعرض حوارا للشيخ محمد بن صالح العثيمين مع الجماعة المقاتلة في الجزائر في غرة رمضان 1420 هـ ).

- السائل : نُعلمكم أنَّ الذي يُخاطبكم الآن هم إخوانك المقاتلون … ونحن طبعاً سننقل كلامَكم إن شاء الله عزَّ وجلَّ إلى جميع إخواننا المقاتلين في هذه الجماعة وغيرها أيضاً … ومن جهة أخرى، فإنَّ الكثير من الإخوة مِمَّن بلغَتْهم نصيحتكم وقعت لهم شبهةٌ حالت دون الاستجابة لِماَ دعوتم إليه، فكان لابدَّ إذاً من إجراء هذا الحوار الجديد مع فضيلتكم؛ أملاً أن نتمكَّن من خلاله من الإجابة على جميع التساؤلات المطروحة، وإزاحة جميع الشُّبه، وبيان الحقِّ البواح؛ حتى نصبح على مثل المحجَّة البيضاء، لا يزيغ عنها إلاَّ هالك وعلى هذا الأساس، فإنَّنا نلتمس من سماحتكم حفظكم الله إعطاءنا أكبر قدر من وقتكم، وأن تُسهِبوا في الشرح والبيان؛ لأنَّه لا يخفى عليكم يا شيخنا أنَّ الإخوة عندنا قد رسَّخَتْ فيهم سنواتُ القتال أفكاراً وعقائد ليس من السهل يا شيخ ولا من البسيط التخلِّي عنها واعتقاد بطلانها، إلاَّ ببيان شافٍ منكم وذلك لِمَا لكم في قلوب الإخوة عندنا من عظيم المنزلة، ووافر التقدير والإجلال والاحترام؛ لأنَّنا نعتقد أنَّكم من أعلام أهل السنة والجماعة في هذا العصر.

- الشيخ: دعنِي أتكلَّم قليلاً .
الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
أما بعد، فإنَّني من عنيزة القصيم ـ المملكة العربية السعودية ـ وفي أول يوم من رمضان عام عشرين وأربعمائة وألف، أتحدَّث إلى إخواني في الجزائر، وأنا محبُّهم : محمد بن صالح آل عثيمين .
أقول لهم: إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرَّر في حجَّة الوداع تحريمَ دمائنا وأموالنا وأعراضنا تقريراً واضحاً جليًّا بعد أن سأل أصحابه عن هذا اليوم، والشهر، والبلد، وقال: (( إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟)).فهذا أمرٌ مجمعٌ عليه، لا يختلف فيه اثنان، والإخوة الذين قاتلوا في الجزائر منذ سنوات قد يكون لهم شبهة ففي أوَّل الأمر، حينما اتَّجه الشعب الجزائري إلى جبهة الإنقاذ، وعَلَت أصواتهم لصالح الجبهة  … ولكن هذا لا يقتضي ولا يسوِّغ حمل الإخوة السلاحَ بعضُهم على بعض، وكان الواجب عليهم من أول الأمر أن يمشوا ويُكثِّفوا الدعوة إلى تحكيم الكتاب والسنة، وفي الجولة الأخرى تكون أصواتهم … ، ويكون وزنُهم في الشعب الجزائري أكبر، ولكن نقول: قَدَر الله وما شاء فعل؛ لو أراد الله أن يكون ما ذكرتُ لكان.والآن، أرى أنَّه يجب على الإخوة أن يَدَعوا هذا القتال، لا سيما وأنَّ الحكومة الجزائرية عرضت هذا، وأمَّنت من يَضَع السلاح، فلم يبق عذرٌ . والجزائر الآن تحمل الويلات بعد الويلات مِمَّا كانت عليه .أما الجماعة … فأرى أن يُوافقوا لأنَّه مهما كان الأمر، الخروج على الحاكم ـ ولو كان كفرُه صريحاً مثل الشمس ـ له شروط، فمِن الشروط: ألاَّ يترتَّب على ذلك ضررٌ أكبر، بأن يكون مع الذين خرجوا عليه قدرة على إزالته بدون سفك دماء، أما إذا كان لا يمكن بدون سفك دماء، فلا يجوز؛ لأنَّ هذا الحاكمَ ـ الذي يحكم بما يقتضي كفره ـ له أنصار وأعوان لن يَدَعوه.ثمَّ ما هو ميزان الكفر؟ هل هو الميزان المزاجي ـ يعني ـ الذي يوافق مزاج الإنسان لا يكفر، والذي لا يوافقه يكفر؟! من قال هذا؟!
الكفر لا يكون إلاَّ من عند الله ومن عند رسوله، ثمَّ إنَّ له شروطاً، ولهذا قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلَّم لَمَّا تحدَّث عن أئمَّة الجَوْر ـ وقيل له: أفلا ننابذهم ـ قال: (( لا، إلاَّ أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان )) وأين هذا؟
كثيرٌ من الإخوة ولا سيما الشباب، الكفر عندهم عاطفي، مزاجي، ليس مبنيًّا على شريعة، ولا صدر عن معرفة بشروط التكفير، لهذا نشير إلى إخواننا في الجزائر أن يضعوا السِّلاحَ، وأن يدخلوا في الأمان، وأن يُصلحوا بقدر المستطاع بدون إراقة دماء، هذا هو الذي يجب علينا أن نناصحهم به، ومن وُجِّهت إليه النصيحة، فالواجب عليه على الأقل أن يتأنَّى وينظر في هذه النصيحة، لا أن يردَّها بانزعاج واستكبار وعناد، نسأل الله تعالى أن يُطفئ الفتنة، وأن يزيل الغُمَّة عن إخواننا في الجزائر.

- السائل: الإخوة … عندما ناديتموهم بوضع السلاح مع اعتقادهم كفر حاكمهم شقَّ ذلك عليهم كثيراً وكبُر عليهم كثيراً ، يعني وضع السلاح والعودة تحت حكم من يعتقدون كفرَه ، يعني هذه معضلة كيف حلُّها يا شيخ؟

- الشيخ: والله ليست معضلة؛

أوَّلاً: ننظر هل هناك دليل على كفر هذا الحاكم، والنظر هنا من وجهين:الوجه الأول: الدليل على أنَّ هذا الشيءَ كفرٌ.
الثاني: تحقق الكفر في حقِّ هذا الفاعل؛ لأنَّ الكلمة قد تكون كفراً صريحاً، ولكن لا يكفر القائل، ولا يخفى علينا جميعاً قول الله عزَّ وجلَّ: {مَن كَفَرَ مِن بَعْدِ إِيـمَانِه إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإِيمَانِ وَلَكِن مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل 106]، رفع الله عزَّ وجلَّ حكم الكفر عن المكره وإن نطق به.ولقد أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الربَّ عزَّ وجلَّ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من رجل فَقَدَ راحلتَه، وعليها طعامه وشرابُه، فلمَّا أَيِس منها اضطجع تحت شجرة، فبينما هو كذلك إذا بناقته حضرت،فأخذ بزمامها وقال: اللَّهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم : (( أخطأ من شدَّة الفرح )).وكذلك الرجل الذي قال: (( لئن قدر الله عليَّ ليعذِّبنِّي عذاباً ما يعذِّبه أحداً من العالمين، فأمر أهله إذا مات أن يحرقوه ويسحقوه في اليمِّ، فجمعه الله وسأله؟ فقال: فعلتُ ذلك خوفاً منك يا ربِّ )) ، ولم يكفر.الحاكم قد يكون عنده حاشية خبيثة، تُرقِّقُ له الأمور العظيمة وتسهِّلها عليه، وتُزيِّنها في نفسه، فيمضي فيما يعتقد أنَّه حلال، ولكنه ليس بكفر … فالواجب على هؤلاء أن ينظروا في أمرهم، وأن يُلقوا السلاح، وأن يصطلحوا مع أمَّتهم، وأن يبثوا الدعوة إلى الله بتيسير لا بعنف .

- السائل: شيخنا حفظكم الله ، لو فرضنا كفر الحاكم ، هل يستلزم الخروج عليه بدون شروط ؟

- الشيخ: لا! لا بدَّ من شروط، ذكرتها آنفاً. لو فُرض أنَّه كافر مثل الشمس في رابعة النهار، فلا يجوز الخروجُ عليه إذا كان يستلزم إراقة الدِّماء، واستحلال الأموال.

السائل: الآن يعني بعض الإخوة عندنا مثلاً يقولون إنَّهم ما داموا خرجوا وحملوا السلاح وخاضوا هذه الحرب مع هذا النظام ، هم اليوم وإن اعتقدوا أنَّ ما هم فيه ليس بجهاد؛ لأنَّهم كما ذكرتم لم يَستَوفوا الشروط، لكن رغم ذلك يسألون: هل يمكنهم رغم ذلك المواصلة وإن أيقنوا الفناءَ والهلاك، أم يُهاجرون، أم ماذا؟

- الشيخ: والله! لا يجوز لهم، والله! لا يجوز لهم المضيُّ فيما هم عليه من الحرب الآن؛ إذ أنَّها حرب عقيم ليس لها فائدة ولا تولِّد إلاَّ الشرَّ والشَّرَر.

- السائل: شيخنا ، بعض الإخوة عندنا بعد أن سلَّموا بأنَّ هذا ليس بجهاد على وفق ما ذكرتم لم يثقوا في الحكومة نسبيًّا ، فيسألون هل يجوز لهم المكث في الجبال دون الرجوع إلى الحياة المدنية بدون قتال ، يعني يبقون بأسلحتهم في الجبال ويتوقَّفون عن القتال، لكن لا يرجعون إلى الحياة المدنية؟

- الشيخ: أقول: إنَّهم لن يبقوا على هذه الحال، مهما كان الحال، ولا بدَّ أن تحرِّكهم نفوسُهم في يوم من الأيام حتى ينقضُّوا على أهل القرى والمدن؛ فالإنسانُ مدنيٌّ بالطبع.يبقى في رؤوس الجبال وفي تلالها وشعابها، ومعه السلاح؟!! .
في يوم من الأيام لا بدَّ أن تُهيِّجهم النفوسُ حتى يكونوا قطَّاعَ طرق .

- السائل: إذاً لا يجوز لهم المكث على هذه الحال؟

- الشيخ: هذا ما أراه، أرى أن ينزلوا للمدن والقرى ولأهليهم وذويهم وأصحابهم.

- السائل: الآن إذا لم تستجب القيادة لندائكم هذا ، يعني إذا لم يستجب رؤوس المقاتلين لندائكم هذا ، ما واجب كل مقاتل في حقِّ نفسه؟

- الشيخ: الواجب وضع السلاح، وأن لا يطيعوا أمراءَهم إذا أمروهم بمعصية؛ لأنَّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

- السائل: شيخنا! هناك أحدهم يدَّعي أنَّه تلميذكم، ويَدَّعي أنَّ الاتصالَ بكم أمرٌ صعب، وأنَّكم محاطون بالمخابرات ـ يعني ـ وغير ذلك، والإخوة ههنا، الإخوة المقاتلين يعتقدون أنَّ الاتصال بكم بين الاستحالة والصعوبة، بناءً على كلام هذا الإنسان، هل هذا صحيح؟

- الشيخ: غير صحيح، أبداً كلُّ الناس يأتون ويتصلون بنا، ونحن نمشي
والحمد لله من المسجد إلى البيت في خلال عشر دقائق في الطريق، وكل يأتي … ويمشي، والدروس ـ والحمد لله ـ مستمرة، ونقول ما شئنا مِمَّا نعتقده أنَّه الحق.
- سائل آخر : إخواننا من الجماعة ... يُحبُّونكم، وينظرون إليكم على أنَّكم من علمائنا الذين يَجب أن نسير وراءكم.

- الشيخ: جزاهم الله خيراً.

- السائل: لكن هناك أسئلة تدور في رؤوسهم، ومن بين هذه الأسئلة يقولون: أنَّنا إذا نقلنا إلى الشيخ عن طريق أشرطة مصورة ، وبيَّنا له فيها قتالنا أنَّنا لا نقتل الصبيان، ولا نقتل الشيوخ، ولا نفجِّر في المدن، بل نقتل من يُقاتلنا من هؤلاء الذين لا يُحكِّمون كتاب الله عزَّ وجلَّ فينا، فإنَّ الشيخ بعد أن يعرف بأنَّ عقيدتنا سليمة وأنَّ منهجنا سليماً وأنَّ قتالنا سليم فإنَّ فتواه ستتغيَّر، ما قولكم في هذا بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً؟

- الشيخ: لا! قولي: إنَّ الفتوى لا تتغيَّر مهما كانت نيَّة المقاتل ، فإنَّها لا تتغيَّر ؛ لأنَّه يترتَّب على هذا أمور عظيمة ، قتل نفوس بريئة، استحلال أموال، فوضى .

- السائل: شيخنا! حفظك الله، إذا كان في صعودنا إلى الجبال اعتمدنا على فتاوى، وإن كانت كما قال الأخ ظهر خطؤها، ولو كانت من عند أهل العلم، وبعض فتاوى بعض الدعاة ظنًّا منَّا أنَّ ذلك حجة في القتال، فصعدنا إلى الجبال وقاتلنا سنين، يعني فما دور المجتمع الآن في معاملتنا؟ هل يعاملنا كمجرمين، أم أنَّنا كمجاهدين أخطأنا في هذه الطريق؟

- الشيخ: أنت تعرف أنَّ جميع المجتمعات لا تتفق على رأي واحد، فيكون الناس نحوكم على ثلاثة أقسام:

ـ قسم يكره هؤلاء ويقول: إنَّهم جلبوا الدَّمار وأزهقوا الأرواح وأتلفوا الأموال، ولن يرضى إلاَّ بعد مدَّة طويلة.

ـ وقسم آخر راضٍ يُشجِّع، وربَّما يلومهم إذا وضعوا السلاح .

ـ القسم الثالث: ساكت، يقول: هؤلاء تأوَّلوا وأخطأوا، وإذا رجعوا فالرجوع إلى الحقِّ فضيلة.

- السائل: شيخنا! حفظك الله، نريد كلمة توجيهية إلى الطرفين، أقصد إلى الإخوة الذين سينزلون إلى الحياة المدنية وإلى المجتمع، يعني: كيف نتعامل الآن؟ وأن ينسوا الأحقاد، نريد نصيحة في هذا الباب حفظكم الله؟

- الشيخ: بارك الله فيكم، أقول: إنَّ الواجب أن يكون المؤمنون إخوة، وأنَّه إذا زالت أسباب الخلاف وأسباب العداوة والبغضاء فلنترك الكراهية، ولنرجع إلى ما يجب أن نكون عليه من المحبة والائتلاف، كما قال الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ} .

وفي اليوم التالي ، كان الاتصال الثاني بالشيخ.

- السائل: أنا أركِّز على أهم ما يمكن أن يؤثِّر على الإخوة عندنا ، يعني المقاتلين حتى يرجعوا إلى الحقِّ.

- الشيخ: طيِّب! توكَّل على الله.

- السائل: إن شاء الله، أهمّ قضية ـ يا شيخ ـ ادعاؤهم أنَّكم لا تعلمون واقعنا في الجزائر، وأنَّ العلماء لا يعرفون الواقع في الجزائر، وأنَّكم لو عرفتم أنَّنا سلفيِّين أنَّ هذا سيغيِّر فتواكم، فهل هذا صحيح؟

- الشيخ: هذا غير صحيح، وقد أجبنا عنه بالأمس، وقلنا مهما كانت المبالغات فإراقة الدِّماء صعب، فالواجب الكفّ الآن والدخول في السِّلم.

- السائل: شيخنا! ما رأيكم فيمن يعتقد أنَّ الرجوع إلى الحياة المدنية يُعتبر رِدَّة؟
- الشيخ: رأينا أنَّ من قال هذا فقد جاء في الحديث الصحيح أنَّ من كفَّر مسلماً أو دعا رجلاً بالكفر وليس كذلك عاد إليه.

- السائل: شيخنا! ما رأيكم في قولهم أنَّه لا هدنة ولا صلح ولا حوار مع المرتدِّين؟
- الشيخ: رأينا أنَّ هؤلاء ليسوا بمرتدِّين، ولا يجوز أن نقول إنَّهم مرتدُّون حتى يثبُت ذلك شرعاً.

- السائل: بناءً على ماذا شيخنا؟

- الشيخ: بناء على أنَّهم يُصلُّون ويصومون ويحجُّون ويعتمرون ويشهدون أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسول الله .. فكيف نقول إنَّهم كفار على هذه الحال؟! إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لأسامة بن زيد لَمَّا قتل الرَّجل الذي علاه بالسيف، فشهد أن لا إله إلاَّ الله، أنكر الرسول صلى الله عليه وسلم على أسامة، مع أنَّ الرَّجل قال ذلك تعوُّذاً كما ظنَّه أسامة، والقصة مشهورة .

- السائل: شيخنا! الكفر العملي هل يُخرج من الملة؟

- الشيخ: بعضه مخرجٌ وبعضه غير مخرج، كقتال المؤمن، فقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم: (( قتاله كُفْرٌ )) ، ومع ذلك لا يخرج من المِلَّة مَن قاتل أخاه المؤمن بدليل آية الحجرات: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} قال: {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [الحجرات 9 ـ 10].

- السائل: متى يُصبح الكفر العملي كفراً اعتقاديًّا شيخنا؟

- الشيخ: إذا سجد لصنم، فهو كافر كفراً مخرجاً عن الملة، إلاَّ أن يكون مكرهاً.

- السائل: وفي قضية الحكم بغير ما أنزل الله؟

- الشيخ: هذا باب واسع، هذا باب واسع، قد يحكم بغير ما أنزل الله عدواناً وظلماً، مع اعترافه بأنَّ حكم الله هو الحق، فهذا لا يكفر كفراً مخرجاً عن الملة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله تشهيًّا ومحاباة لنفسه، أو لقريبه، لا لقصد ظلم المحكوم عليه ، ولا لكراهة حكم الله، فهذا لا يخرج عن الملة، إنَّما هو فاسق، وقد يحكم بغير ما أنزل الله كارهاً لِحُكم الله، فهذا كافرٌ كفراً مُخرجاً عن الملَّة، وقد يحكم بغير ما أنزل الله طالباً موافقة حكم الله، لكنَّه أخطأ في فهمه، فهذا لا يكفر، بل ولا يأثم؛ لقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( إذا حكم الحاكمُ فاجتهدَ فأخطأ فله أجرٌ واحد، وإن أصاب فله أجران)).وفي ختام الاتصال .

قال السائل: شيخنا ،كلامكم واضح والحمد لله، وبهذه الصيغة يزيح إن شاء الله الشبهَ التي تحول دون أن يعملَ الحقُّ عملَه إن شاء الله.

- الشيخ: نسأل الله أن يهديهم، وأن يرزقهم البصيرة في دينه، ويحقن دماء المسلمين.

- السائل: أعطِنا تاريخ المكالمة واسمك.

- الشيخ: هذه المكالمة يوم الجمعة في شهر رمضان، أجراها مع إخوانه محمد بن صالح العثيمين من عنيزة بالمملكة العربية السعودية ،1420هـ ، نسأل الله أن ينفع بهذا . ا هـ.

السبت، سبتمبر 24، 2011

فـــــائدة عثيمينيّة : "دين الإسلام ليس دين مساواة"

فـــــائدة عثيمينيّة : "دين الإسلام ليس دين مساواة"

قال الله تعالى فى سورة الحديد [ لَا يَسْتَوِي مِنْكُم مَن أَنْفَق مِن قَبْل الْفَتْح وَقَاتَل]
دين الإسلام دين العدل في العمل والجزاء، وانتبه دين العدل في العمل والجزاء وليس كما يقول المحدَثون:
«إنه دين المساواة»!،
هذا غلط عظيم،
لكي يتوصل به أهل الآراء والأفكار الفاسدة إلى مقاصد ذميمة، حتى يقول: المرأة والرجل، والمؤمن والكافر سواء، ولا فرق، وسبحان الله إنك لن تجد في القرآن كلمة المساواة بين الناس، بل لابد من فرق، بل أكثر ما في القرآن نفي المساواة [ قُلْ هَلْ يَسْتَوِيَ الَّذِيْنَ يَعْلَمُوْنَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُوْنَ] وآيات كثيرة، فاحذر أن تتابع فتكون كالذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، بدل من أن تقول: (الدين الإسلامي دين مساواة) قل: (دين العدل الذي أمر الله به، يعطي كل ذي حق حقه)، أرأيت المرأة مع الرجل في الإرث، وفي الدية، وفي العقيقة، وفك الرهان يختلفون. وفي الدين: المرأة ناقصة إذا حاضت لم تصل ولم تصم، وفي العقل المرأة ناقصة: شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وهلم جرا، والذين ينطقون بكلمة مساواة إذا قررنا هذا وأنه من القواعد الشرعية الإسلامية ألزمونا بالمساواة في هذه الأمور، وإلا لصرنا متناقضين، فنقول: دين الإسلام هو دين العدل يعطي كل إنسان ما يستحق ،
حتى جاء في الحديث : (( أَقِيْلُوا ذَوِي الْهَيْئَات عَثَرَاتِهِم إِلَّا الْحُدُوْد)) يعني إذا أخطا الإنسان الشريف الوجيه في غير الحدود فاحفظ عليه كرامته وأقله، هذا الذي تقيله إذا كان من الشرفاء، إقالتك إياه أعظم تربية من أن تجلده ألف جلدة، لأنه كما قيل: الكريم إذا أكرمته ملكته، لكن لو وجد إنسان فاسق ماجن فهذا اشدد عليه العقوبة وأعزره، ولهذا لما كثر شرب الخمر في عهد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضاعف العقوبة بدل أربعين جعلها ثمانين ، كذلك الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن : (( مَنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوَهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوَهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاجْلِدُوَهُ، ثُمَّ إِنْ شَرِبَ فَاقْتُلُوْهُ )) ، لأن لا فائدة في جلده، ثلاث مرات نعاقبه ولا فائدة إذن خير له ولغيره أن يقتل، وإذا قتلناه استراح من الإثم، كما قال الله عز وجل :[ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوَا أَنَّمَا نُمْلِيْ لَهُمْ خَيْرٌلِّأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِيْ لَهُمْ لِيَزْدَادُوَا إِثْمَا وَلَهْمُعَذَابٌ مُّهِيْن ] والخلاصة أن التعبير بأن دين الإسلام دين المساواة غلط وليس بصحيح، بل هو دين العدل ولا شك، والعجب أن هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام، يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَىَ عَجَمِيٍّ إِلَا بِالْتَّقْوَىْ ) فيتناقضون، والحديث لم ينف مطلقاً، وإنما قال ((إِلَا بِالْتَّقْوَىْ)) فهم يختلفون بالتقوى، ثم إن هذا الحديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه قال (إِنَّ الْلَّهَ اصْطَفَىَ مِنَ بَنِيَّ إِسْمَاعِيْلَ كِنَانَةَ،وَاصْطَفَىَ مِنْ كِنَانَةَ قُرَيْشا، وَاصْطَفَىَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِيَّهَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِيُّ مِنْ بَنِيَّ هَاشِمٍ )) ففضل، ولا شك أن جنس العرب أفضل من جنس غير العرب لا شك عندنا في هذا، والدليل على هذا أن الله جعل في العرب أكمـل نبوة ورسالة، محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قال الله تعالى: [الْلَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ ] فالأجناس تختلف، وقال عليه الصلاة والسلام (( خِيَارُكُمْ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِيْ الْإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا)) فاحذر أن تتابع في العبارات التي ترد من المحدِثين المحدَثين حتى تتأملها وما فيها من الإيحاءات التي تدل على مفاسد ولو على المدى البعيد، أسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، إنه على كل شيء قدير.

الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - من تفسيره لسورة الحديد

ومـا مـن كـاتب إلا ويفنـى . . . ويبقى الله ما كتبـت يداه
يكتــب ويخـط بيمنــاه . . . مـا سيجـده في أُخــراه

الاثنين، سبتمبر 05، 2011

أنت مسحور .. وأنت فيك عين حارة

أنت مسحور .. وأنت فيك عين حارة
1428/10/25
2007/11/05

الحمد لله الشافي الذي أرسل رسوله بالدواء الكافي، والصلاة والسلام على رسوله
الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن الأمراض النفسية قد كثرت، ولكثرتها العيادات قد انتشرت واستغل حاجة
المحتاجين بعض ضعاف النفوس فلبسوا ثوب المشايخ وفتحوا مقرات للرقية الشرعية هنا
وهناك وعمت بهم البلوى وعظمت فيهم الفتنة، فكلما زارهم مريض أو مريضة شخصوه
سريعاً ثم أخبروه بالجواب التقليدي من الإجابات النموذجية الجاهزة، فتارة
يقولون أنت مسحور أو فيك عين حارة أو قديمة أو نفس أو حسد أو عفريت أو أنك
ملبوس وهلم جرا ولا حول ولا قوة إلا بالله.
(وَإذَا مَرضْتُ فَهُوَ يَشْفين)


أخي المسلم وفقك الله إلى كل خير اعلم أن الشافي هو الله تعالى وحده كما قال
تعالى عن إبراهيم عليه السلام (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ
يَشْفِينِ (80)) [الشعراء]. وفي الحديث الصحيح الذي اخرجه البخاري ]5743[ قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم رب الناس أذهب الباس ، اشفه وأنت الشافي ، لا
شفاء إلا شفاؤك ، شفاء لا يغادر سقما). لقد جهل هذه العقيدة كثير من الناس
فتعلقوا بالأسباب ونسوا الله رب الأرباب، فتراهم يتنقلون من شخص إلى آخر ولأدنى
الأسباب، فإذا تأخر زواج فلان أو فلانة أو ما حملت فلانة أو كثر سقط حملها أو
أو أو ذهبوا إلى كل شيخ أو ربما إلى ساحر أو كاهن ولو كلفهم سفراً بعيداً ونفقة
كبيرة، بل ولو كشفوا عوراتهم وخسروا دينهم فلا يكادون يتورعون عن أي محظور من
تمائم ورُقى شركية ونحوها فالغاية عندهم الحصول على الشفاء أو الزواج أو الولد،
تالله إِنَّ هذا لضلال مبين.
النساء الأكثر مراجعة لمقرات الرقية الشرعية


أخي القارئ الكريم عصمني الله وإياك من الفتن ما ظهر منها وما بطن احذر كل
الحذر واحفظ نفسك وأهلك من الذهاب إلى مقرات الرقية الشرعية أو التعامل معهم
عموما فهؤلاء قلما تجد فيهم من يبتغي وجه الله تعالى في نفع الناس وعلاجهم
فأكثرهم يستغل ضعف النساء وشدة حاجتهن فيتكسب من ورائهن ، بل وفيهم من يتحسس
على النساء ويكشف عوراتهن بل وصل ببعضهم أن صور النساء وهن في حالة صرع، ونشر
لهن صوراً حية وحقيقية على شاشة التلفاز وعرض ذلك بقناة فضائية بقصد الإثارة و
(الصراحة) ولكي ينجح برنامجه ولو على حساب كشف عورات المسلمين. قليلا من التقوى
تمنع هؤلاء من تصوير المرضى والنساء خاصة، وفي الصحيحين من حديث انس بن مالك
رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما
يحب لنفسه) البخاري ]13[ ومسلم ]45[ ، فأقول لو كانت تلك المرأة المريضة إحدى
قريبات ذلك (الشيخ) زوجته مثلا أو أمه أو أخته هل يرضى أن تعرض صورتها في
التلفاز عبر القنوات الفضائية ليراها مالا يحصى من المشاهدين؟ الجواب عند ذلك
(الشيخ) (1)، فإن قال قائل لكنه عرضها مستورة، فأقول لا يخفى أن أقرباءها
وجيرانها وصديقاتها يعرفونها ولو بسترها، والمقصود هل يجوز شرعاً تصوير هؤلاء
المرضى بهذه الطريقة؟ والله المستعان على ما يفعلون.
سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب .. لا يسترقون


أخي القارئ الكريم وفقك الله تعالى إلى الأكمل والأفضل لا تذهب للمشايخ والقراء
وادع الله تعالى وحده واسأله الشفاء ورفع البلاء، فالله تعالى يقول (وَقَالَ
رَبُّكُمُ ادْعُوني اسْتَجبْ لَكُمْ) [غافرـ60]، فأمر بالدعاء ووعد بالاستجابة
وهو القائل جل وعلا (وَإذَا سَأَلَكَ عبَادي عَنّي فَإنّي قَريب أُجيبُ
دَعْوَةَ الدَّاع إذَا دَعَان فَلْيَسْتَجيبُواْ لي وَلْيُؤْمنُواْ بي
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) [البقرةـ186] ، وقال تعالى (أَمَّن يُجيبُ
الْمُضْطَرَّ إًذَا دَعَاهُ وَيَكْشفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء
الْأَرْض أَإلَه مَّعَ اللَّه قَليلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) [النمل ـ62]. لقد ثبت
عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح عن عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير
حساب)، فلما سُئل عليه الصلاة والسلام عن هؤلاء السبعين ألفا قال: (هم الذين لا
يسترقون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون)البخاري ]6472[ والشاهد من الحديث
قوله صلى الله عليه وسلم (لا يسترقون) أي لا يطلبون الرقية من غيرهم لأن السين
والتاء للطلب أي لا يطلبون من أحد أن يرقيهم وذلك لتوكلهم على الله تعالى
وثقتهم به جل وعلا فلا يحتاجون إلى مخلوق مثلهم يطأطئون إليه رؤوسهم ويتذللون
له ليقرأ عليه وينفث أو يتفل كلا بل آمنوا بقول الله تعالى (وَآتَاكُم مّن كُلّ
مَا سَأَلْتُمُوهُ) [إبراهيم ـ34]، فأخذوا على أنفسهم عهداً ألا يسترقوا من أحد
ولا يسألوا إلا الله تعالى الشافي، قال تعالى (وَإذَا مَرضْتُ فَهُوَ يَشْفين)
[الشعراء 80[.
الوقاية خير من العلاج


أخي المسلم حفظني الله تعالى وإياك بحفظه اعلم أن المعاصي والذنوب هي أكبر
أسباب الأمراض والبلاء المستطير، نعم هذه الحقيقة!! كثير من الناس لا يعرف
القرآن ولا يقرأه ولا يستمع إليه إلا إذا أصيب ببلاء بل تجده يستمع إلى المعازف
المحرمة ويسهر على ما يضره في دينه ويعلق الصور ذوات الأرواح في بيته ويتعاطى
ما حرم الله من المخدرات والمسكرات والدخان الخبيث الحرام فأنّى له أن يسلم من
الجن والعفاريت والشياطين وقد بات لا يذكر الله تعالى ولا يسجد له سجدة. ثم إذا
أصيب أخذ يبحث عن القراء والمشايخ ولسان حاله يقول دلوني على ما ينقذني مما أنا
فيه!! فالأولى من العلاج أن تحفظ نفسك وتتحصن وكما قيل (الوقاية خير من
العلاج).
كيف تحصن نفسك من العين والحسد والسحر؟


أخي الكريم الأمر يسير جداً على من يسر الله له ذلك، فبعد الوقاية من المعاصي
والفجور والفواحش والمنكرات حافظ على الصلاة وأكثر من ذكر الله تعالى. وقراءة
القرآن وخصوصا المعوذتين، فاقرأ بعد كل صلاة وقبل النوم (قل هو الله أحد) و (قل
أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) واقرأ أيضا (آية الكرسي) بعد كل صلاة
وقبل النوم. ولا تنسَ قبل النوم أن تقرأ آخر آيتين من سورة البقرة (آمَنَ
الرَّسُولُ بمَا أُنزلَ إًلَيْه من رَّبّه) إلى آخرها وقل سبحان الله 33 والحمد
لله 33 والله أكبر 34 قبل أن تنام. والآن والحمد لله كتب الأذكار كثيرة
ومتوافرة ويمكن لكل مسلم أن يتناولها وبعد ذلك بإذن الله لن تحتاج إلى استرقاء
ولا مشايخ فتوفر على نفسك وقتاً ومالاً وتستر عورتك وعورة أهلك.
العافية تأتي بالتدريج


أخي المسلم عافاني الله وإياك من كل بلاء لا بد أن تعلم أن لله تعالى سنناً في
خلقه ومنها البلاء الذي لا بد منه فنحن في دار بلاءٍ وامتحان. قال تعالى
(الَّذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ليَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ
عَمَلاً وَهُوَ الْعَزيزُ الْغَفُورُ ) [الملك ـ 2] والآيات كثيرة معلومة، لكن
الذي يجهله كثير من الناس أن العافية تأتي تدريجياً فلا بد من الصبر على البلاء
واحتساب الأجر والثواب فالإنسان قد تكسر رجله أو يده بلحظة ولكن لا يجبر كسره
إلا بأسابيع أو شهور وهكذا إذا أصيب بمرض أو حسد أو وسواس ونحو ذلك فالواجب
عليه أن يصبر ويستمر على المعوذات والأذكار. وليعلم أن في ذلك خيراً كثيراً
فربما ما كان ليذكر الله ولا ليلجأ إليه ولا يدعوه إلا بهذا البلاء، وكما قيل
(إن الله يبتلي العبد ليعلمه كيف يلجأ إليه).


يؤسفني كثيراً أن بعض الناس لا يعرف سورة البقرة إلا في الأزمات وهذا خطأ
وتقصير واعلم أنه لا يكفي تشغيلها وسماعها من شريط مسجل، اقرأها يا أخي
واقرئيها يا أختي فإن الشيطان لا يدخل بيتاً تقرأ فيه سورة البقرة كما في صحيح
مسلم ]780[ من حديث ابي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا تجعلوا
بيوتكم مقابر. إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة)، ليس
بالضرورة أن تقرأ السورة كاملة كل يوم أو لمدة أربعين يوما فهذا مما لا أصل له
ولا دليل عليه وإنما يقول به بعض المتكسبين بلا دليل ولا برهان. وإنما المشروع
قراءة ما تيسر من القرآن والاكثار من ذكر الله تعالى.
كاد المريب أن يقول خذوني!!


أخي القارئ العزيز اعلم أغناني الله وإياك والمسلمين عن الاسترقاء وأهله أن
كثيراً من أصحاب مراكز الرقية الشرعية يتضايقون من كلامي وأمثالي لأنه يمسهم
مباشرة فأقول لا شك أن هناك بعض المحسنين ممن يريدون وجه الله تعالى وينفعون
الناس لكن للأسف هؤلاء قليل جداً. فالغالب في هؤلاء أصحاب المراكز ونحوهم لا
همّ لهم إلا (أيهم يكسب أكثر؟!) إلا من رحم الله وقليل ما هم!! فمن كان غير
معنى ولا ينطبق عليه ما ذكرت عنهم فلماذا يتحسس من الكلام؟ ومن كان فيه شيء من
ذلك فلسان حاله يقول لعلي أنا المقصود وكما قيل (كاد المريب أن يقول خذوني)
وأما من كان واقعاً بظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل وكشف عوراتهم فليتق الله
وليتب إليه.
بداية صحيحة ونهاية تعيسة


نعم قد يبدأ البعض بعلاج الناس والقراءة عليهم ويحرص على أن تكون قراءته ورقيته
شرعية بالقرآن والأذكار المشروعة المسموعة المفهومة بعيداً عن الرقية الشركية
والتمتمات غير المسموعة أو الألفاظ غير المفهومة أو الرقية بغير اللغة العربية،
لكن لا يلبث إلا قليلاً على هذه الحال وإلا به قد انقلب حاله إلى حال آخر!!
فتراه تغير كثيراً وطمع بالمال وانفتن بالنساء وتعامل مع الجن وغير ذلك وهذا
حال كثير منهم وماذا تتوقع أخي القارئ نهاية إنسان ضعيف يعيش ليله ونهاره مع
السحر والمسحورين والجن والشياطين والنساء والعورات هل سيسلم؟ لا إله إلا الله
لا شك غالبا مثل هذا لن يسلم إلا أن يشاء الله فلذلك يجب أن يحذر كل مسلم ويخاف
على نفسه من الدخول في هذا الميدان ميدان الفتن والنساء وأكل الأموال بالباطل.
الأجرة على الشفاء لا على القراءة


لا شك أخي القارئ الكريم لن يبقى هذا الفريق والطابور الطويل صامتين بلا رد ولا
دفاع فتارة يقولون نحن ننفع الناس وتارة يقولون عالجنا حالات كثيرة وتارة
يقولون إنما نحن على ثغرة حتى لا يذهب الناس إلى السحرة، وغير ذلك من الكلام
الكثير فأقول وبالله عليهم أستعين إذا كنتم كما تقولون تريدون وجه الله
بالقراءة لماذا أخذتم أموال الناس واستغللتم ضعفهم وحالهم إن كنتم صادقين؟!
فسيقولون لقد أخذ من هو خير منّا (أبو سعيد الخدري) رضي الله عنه ومن معه من
الصحابة عندما قرأ أحدهم سورة الفاتحة على رجلٍ من المشركين وقد شارطوهم على
قطيع من الغنم وقسموا للنبي صلى الله عليه وسلم منه قسماً (2). فأقول: هذا حق
لو فعلتم كما فعل أولئك والفروق بينكم وبينهم كثيرة، أهمها:


أن الصحابة أخذوا على شرط الشفاء فلو قرأوا ولم يستفد ذلك الرجل بقراءتهم ما
أعطوهم قطيع الغنم بينما أنتم تأخذون حتى قبل القراءة فبعضكم يشترط رسوما قبل
الدخول عليه وبعضكم يقرأ على (ماء) أو (زيت) فيبيعه بأضعاف مضاعفة من ثمنه
وبعضكم صار من تجار العسل حتى حدثني أحد الأخوة الكرام أنه دخل على أحدهم فوجد
عند علبتين من العسل الأولى بــ (500) ريال سعودي، والثانية بــ (1000) ريال
قال فسألته ما الفرق بين هذا العسل وذاك؟ فقال: العسل نوع واحد إلا أن العسل
الذي قيمته ( 1000) ريال عليه قراءة (مركزة).


فانظر أخي القارئ واستمع العجب يريد قبض ثمن العسل قبل شراء المريض له وكلما
قرأ عليه أكثر كلما ارتفع سعره. إذا كان أهل الديانة والقرآن يفعلون ذلك فما
حال غيرهم؟!
لا يجوز فتح عيادات متخصصة للقراءة

أخي القارئ، حفظك الله من كل فتنة، إليك فتوى لفضيلة الشيخ الدكتور صالح
الفوزان حفظه الله وبارك فيه:

السؤال: ما رأيكم بفتح عيادات متخصصة للقراءة؟

الجواب: هذا لا يجوز أن يُفْعَل لأنه يفتح باب فتنة، ويفتح باب احتيال
للمحتالين، وما كان هذا من عمل السلف أنهم يفتحون داراً أو يفتحون محلاً
للقراءة، والتوسع في هذا يحدث شراً، ويدخل فيه فساد، ويدخل فيه من لا يحسن، لأن
الناس يجرون وراء الطمع، ويريدون أن يجلبوا الناس إليهم ولو بعمل أشياء محرمة،
ولا يُقال: هذا رجل صالح، لأن الإنسان يفتح والعياذ بالله، ولو كان صالحاً ففتح
هذا الباب لا يجوز. [المنتقى من فتاوى الفوزان ـ [ج2 ص148[.

حقاً الأمر خطير جداً واعلم جيداً أن كلامي هذا سيغضبهم ولكن رحمة الله أرجو
وعذابه احذر فأحببت أن أذكر نفسي وأخواني المسلمين وبالله يا أيها القارئ
الكريم إن وجدت في كلامي حقاً يستحق أن تنقله للآخرين فلا تتخاذل واجتهد بنقله
لعل الله تعالى أن ينفعني وإياك به.

والحمد لله أولا وآخر وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


(1) هو نبيل العوضي هداه الله لرشده ووقاه شر نفسه.
(2) يشيرون الى حديث ابي سعيد الخدري رضي الله عنه : أن رهطا من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم انطلقوا في سفرة سافروها ، حتى نزلوا بحي من أحياء
العرب ، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء
لا ينفعه شيء ، فقال بعضهم : لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم ، لعله
أن يكون عند بعضهم شيء ، فأتوهم فقالوا : يا أيها الرهط ، إن سيدنا لدغ ،
فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فهل عند أحد منكم شيء ؟ فقال بعضهم : نعم ،
والله إني لراق ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق لكم حتى
تجعلوا لنا جعلا ، فصالحوهم على قطيع من الغنم ، فانطلق فجعل يتفل ويقرأ : {
الحمد لله رب العالمين } . حتى لكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشي ما به قلبة ،
قال : فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم : اقسموا ، فقال الذي رقى
: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان ، فننظر
ما يأمرنا ، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ، فقال : ( وما
يدريك أنها رقية ؟ أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم ). البخاري ]5479[


المصدر: الموقع الرسمي لفضيلة الشيخ سالم الطويل - حفظه الله ورعاه-

الخميس، أغسطس 18، 2011

عبادة الأحرار

عبادة الأحرار

سألتني أن أكتب لك شيئًا عن هذه الكلمة المعذبة: الصيام.
فقد ضرب عليها الناس من الحكم، وصبوا عليها من الفوائد ما لو تأملته لم يَعْدُ أن يكون عرضًا طفيفًا من أعراض التجارب التي تمرُّ بالصائم. ولرأيتهم يبنون فوائدهم وحكمهم على غير منطق، كالذي يزعمونه من أن الغنيَّ إذا جاع في صيامه أحسَّ بل عرف كيف تكون لذعة الجوع على جوف الفقير، فهو عندئذ أسرع شيء إلى الجود بماله وبطعامه. ثم يزعمون أن الفقير الصائم إذا عرف أنه استوى هو والغني في الجوع قنع واطمأنت نفسه، لا أدري أمِن شماتته بالغني حين جاع كجوعه وظمئ كظمئه، أم من حبه للمساواة في أي شيء كانت، وعلى أي صورة جاءت! ولا تزال تسمع مثل هذه الحكم، حتى كأنَّ ربك لم يكتب هذه العبادة إلا ليعيش الفقير، وليعيش الغني، كلاهما في سلطان معدته جائعًا وشبعان...!
ومنذ ابتلى المسلمون بسوء التفسير لمعاني عباداتهم، ومنذ أدخلوا عليها ما ليس منها، ساء أمرهم ودخل عليهم عدوهم من أنفسهم ومن غير أنفسهم، وجعل بأسهم بينهم، وتتابعوا في الخطأ بعد الخطأ، حتى تراهم كما تراهم اليوم: ألوف مؤلفة ما بين الصين ومراكش، تستبدُّ بهم الطغاة، بل تهاجمهم في عقر دارهم شرذمة من قدماء الأفاقين، ومن أبناء الذل والمسكنة، فتمزق أنباء دينهم ولغتهم من الأرض المقدسة شرَّ ممزَّق. وكل نكيرهم أصوات تضجُّ، ثم عودة إلى موائد الشهوات ولذات النفوس ومضاجع الراحة والترف والنعيم: حرصوا على الحياة وأسباب الحياة، فذلُّوا حتى أماتهم الذلُّ، ولو حرصوا على الموت وأسباب الموت، لعزُّوا به في الحياة الدنيا وفي الآخرة.
ولقد كتب علينا الصيام لينقذنا من مثل هذا البلاء، ولكنا نسينا الله فأنسانا أنفسنا، حتى صرفنا أعظم عبادة كتبت علينا – إلى معنى الطعام نتخفف منه لتصحَّ أبداننا، ونبذله لنواسي فقيرنا، ونجتمع عليه لتأتلف قلوبنا، ونصوم شهر رمضان فلا تصحُّ لنا أبدان، ولا يواسى فقير، ولا تأتلف قلوب – وإذا تمَّ بعض ذلك فسرعان ما يزول بزوال الشهر، وتنتهي آثاره في النفس وفي البدن وفي المجتمع.
ولو أنصفنا هذه الكلمة المظلومة المعذبة لرأينا الصيام – كما كتب على أهل هذا الدين – طاعة خالصة بين العبد وربه، يأتيها الفقير الهالك ابتغاء رضوان الله، ويأيتها الغني الواجد ابتغاء رضوان الله، ويأتيانها جميعًا في شهر رمضان، ويأتيانها فرادى في غير شهر رمضان، لا ليعيشا في معاني المعدة بالبذل أو بالحرمان، بل ليخرجا معا سواء عن سلطان الطعام والشراب، وليخرجا معا سواء من سلطان الشهوات، بل ليخرجا معًا سواء من سلطان كل نقيصة: من سلطان الخوف، فلا يخاف أحدهما إلا الله، ومن سلطان الرياء، فلا يعمل إلا لله. وليس بين الصائم وبين ربِّه أحد، ولا يحول بينه وبين الاستجابة لربه شيء من أشياء الدنيا، أو حاجات البدن، أو داعيات الغرائز أو نزوات العقول.
فتأمَّل معنى الصيام من حيث نظرت إليه: هو عتق النفس الإنسانية من كل رقٍّ: من رقِّ الحياة ومطالبها ومن رقِّ الأبدان وحاجاتها في مآكلها ومشاربها، من رقِّ النفس وشهواتها، ومن رقِّ العقول ونوازعها، ومن رقِّ المخاوف حاضرها وغائبها، حتى تشعر بالحرية الخالصة، حرية الوجود، وحرية الإرادة، وحرية العمل. فتحرير النفس المسلمة هو غاية الصيام الذي كتب عليها فرضًا وتأتيه تطوعًا. ولتعلم هذه النفس الحرة أن الله الذي استخلفها في الأرض، لتقيم فيها الحق، ولتقضي فيها بالحق، ولتعمل فيها بالحق- لا يرضى لها أن تذلَّ لأعظم حاجات البدن؛ لأنها أقوى منها، ولا لأعتى مطالب الحياة؛ لأنها أسمى منها، ولا لأطغى قوى الأرض؛ لأنها أعزُّ سلطانًا منها. وأراد الله أن يكرِّم هذه العبادات فأوحى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس عن ربه إذ قال: ((الصوم لي)). فلا رياء فيه؛ لأنه جُرِّد لله فلا يراد به إلا وجه الله، فاستأثر به الله دون سائر العبادات، فهو الذي يقبله عن عبده، وهو الذي يجزي به كما يشاء.
وقد دلَّنا الله سبحانه على طرف من هذا المعنى إذ جعل الصيام معادلًا لتحرير الرقبة في ثلاثة أحكام من كتابه: إذ جعل على من قتل مؤمنًا خطأ تحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ} [النساء : 92]. وجعل على الذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا تحرير رقبة من قبل أن يتماسا {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا} [المجادلة : 4]. وجعل كفارة اليمين تحرير رقبة {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ} [البقرة : 196] فانظر لِمَ كتب الله على من ارتكب شيئًا من هذه الخطايا الثلاث: أن يحرر رقبة مؤمنة من رقِّ الاستعباد، فإن لم يجدها فعليه أن يعمل على تحرير نفسه من رقِّ مطالب الحياة، ورقِّ ضرورات البدن، ورقِّ شهوات النفس، فالصيام كما ترى هو عبادة الأحرار، وهو تهذيب الأحرار وهو ثقافة الأحرار.
ولو حرص كل مسلم على أن يستوعب بالصيام معاني الحرية، وأسباب الحرية، ومقاليد الحرية، وأنف لدينه ولنفسه أن تكون حكمة صيامه متعلقة بالأحشاء والأمعاء والبطون في بذل طعام أو حرمان من طعام- لرأينا الأرض المسلمة لا يكاد يستقرُّ فيها ظلم؛ لأن للنفوس المسلمة بطشًا هو أكبر من الظلم، بطش النفوس التي لا تخشى إلا الله، ولا يملك رقَّها إلا خالق السموات والأرض وما بينهما. ولرأينا الأرض المسلمة لا يستولى عليها الاستعمار؛ لأن النفوس المسلمة تستطيع أن تهجر كل لذة، وتخرج من كل سلطان، وتستطيع أن تجوع وتعرَى، وأن تتألم وتتوجع صابرة صادقة مهاجرة في سبيل الحقِّ الأعلى، وفي سبيل الحرية التي ثقفها بها صيامها، وفي سبيل إعتاق الملايين المستعبدة في الأرض بغير حق وبغير سلطان. واستطاع كل مسلم أن يكون صرخة في الأرض تلهب القلوب، وتدعوها إلى خلع كل شرك يقود إليه الخوف من الظلم، ويفضل إليه حب الحياة وحب الترف وحب النعمة، وهي أعوان الاستعمار على الناس.
ويوم يعرف المسلمون صيامهم حق معرفته، ويوم يجعلونه مدرسة لتحرير نفوسهم من كل ضرورة وكل نقيصة، فحقٌّ على الله يومئذ أن ينصر هذه الفئة الصائمة عن حاجات أبدانها وشهوات نفوسها، الطالبة لما عند ربها من كرامته، التي كرَّم بها بني آدم، إذ خلقهم في الدنيا سواء أحرار، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وفعل الخيرات.
ويومئذ ينصرهم على عدوهم، ويستخلفهم في الأرض مرة أخرى لينظر كيف يعملون. 

محمود بن محمد شاكر (ت:1418هـ)
نُشر عام 1369هـ الموافق 1950م

المصدر: كتاب (جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ط1، 2003م، (2/937)



Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More